في مشهد بدا وكأنه مقتطع من أحد الأفلام، ظهر مقاتلو العشائر خلال مواجهات السويداء في تموز/يوليو الفائت وهم يستقلّون سيّارةً وبصحبتهم نساء وأطفال من السوريّين/ات الدروز. عندما سألهم مذيع التلفزيون العربي عن هويتهم وسبب اصطحابهم للمدنيين، أجابوا بأنهم أخذوهم لحمايتهم، وحين سأل المذيع إحدى السيدات: "لماذا سلمتوهم أنفسكن؟" أجابت: "هم أخذونا" حينها ارتبك المذيع وقال: "يبدو أن الوقت غير مناسب لإجراء المقابلة".
في مقطعٍ آخر صوّره مقاتلٌ مختلفٌ، ظهرت سيدتان في المقعد الخلفي؛ إحداهما ملطّخة بالدماء والأخرى تحتضن طفلة، فيما كان المقاتل بجانب السائق يُمسك بطفلةٍ صغيرة أخرى مدعيًا حينها أنه أنقذ النساء من أيدي فصائل الشيخ حكمت الهجري. غير أنّ الصورة اتّضحت بعد أقلّ من شهر عندما بثّ موقع "السويداء 24" لقاءً مصوّرًا مع السيدتين ماجدة تركي ريدان وابنتها وهما ترويان قصّة عودتهما إلى السويداء مع الطفلتين بعد عملية تبادل ليكشفان أن الخاطفين كانوا قد قتلوا السيدة وزوجها وابنها أمامهما قبل خطفهم ونقلهم إلى مدينة حماة.
وسط ذلك كله، تبقى الأسئلة معلّقةً حول مصير عشرات النساء الأخريات اللواتي يتعرّضن حتى كتابة هذه السطور للاختفاء القسري؛ ففي 17 آب/أغسطس اختُطفت حافلة أثناء دخولها إلى السويداء عبر المعبر الإنساني الوحيد، من بين رُكّابها ستّ نساء بحسب عائلة إحدى المختطفات، وقد تواصل الخاطفون مع أفراد الأسرة وأبلغوهم رغبتَهم في مبادلة النساء المخطوفات بأسرى لديهم.
حتى الآن لا تتوفر أية أرقام دقيقة حول أعداد النساء والفتيات المختفيات في السويداء، باستثناء ما ورد في تقرير لخبراء الأمم المتحدة صدر في 21 آب/أغسطس ووثّق اختطاف 105 امرأة على الأقل على يد قوّات تابعة للحكومة السورية لا تزال 80 منهنّ في عداد المفقودات، كما وثق التقرير تعرّض ثلاث نساء على الأقل للاغتصاب قبل إعدامهنّ، ما يدل على كارثة متصاعدة لم يتّضح حجمها الحقيقي ولا ملامحها الكاملة بعد.
"إن لم يبقَ مخرج، سأُنهي حياتي بيدي"
اجتاحت القوات الحكومية المدعومةً ببعض العشائر ومجموعات البدو، مدينة السويداء في 15 و16 و17 تموز/يوليو 2025، مُخلّفةً وراءها دمارًا واسعًا وصل إلى قتل الأطفال وكبار السن والنساء.
مع انسحاب هذه القوات، بدأت ملامح الكارثة في الانكشاف؛ فإلى جانب سقوط نحو 1677 قتيلًا، أعدم منهم 452 مدنيًا بينهم نساء وأطفال بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، كما سُجّلت حالات اختفاء قسري معظمهن من النساء، واللاتي كان من المفترض أنه تم إطلاق سراحهنّ عبر عمليات تبادل وفق أنباء محلية، غير أن العشرات منهن مازلن في عداد المفقودات، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا على المجتمع في المدينة، لا سيما في صفوف الفتيات والنساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة فاقدات لصديقاتهن وقريباتهن ومحاصرات ومهدّدات كل يوم باجتياحٍ مماثل.
مي (اسم مستعار) فقدت زميلتها في العمل والتي يُرجّح أنها اختُطفت، تروي كيف قيل لها: "إذا وصلكم شيء من هاتفها انتبهوا، فهو غالبًا بيد الخاطفين". منذ ذلك اليوم تدخل مي يوميًا إلى صفحة صديقتها على فيسبوك باحثةً عن أي خبر يُطمئنها بشأنها، لعل الخاطفين يتركون أثرًا هناك. وتقول: الأصعب أن مصيرها ما زال مجهولًا، بخلاف الكثير من المختطفات، فنحن لا نعرف إن كانت على قيد الحياة أم لا.
في البداية ورد خبرٌ عن نقل صديقتها إلى درعا، لكن عندما راجع الأهالي القوائم الواردة من هناك لم يجدوا اسمها، الأمر الذي ضاعف مخاوف مي، خاصة أن الفتاة فقدت والدها وأخيها قتيلَين في يوم الهجوم، قبل أن تختفي قرب دوار العمران حيث دارت اشتباكات عنيفة.
هذا الواقع دفع بمي إلى التفكير بما قد تفعله الفتيات في حال تكرّرت عملية اجتياح المدينة وتعرّضن لخطر الاختطاف، موضحة: أحاول أن أزيد وعي الفتيات لئلّا يدعنَ الخوف يسيطر عليهن وأن يبقين قويات ويحاولن العثور على أي طريقة للنجاة.
تستشهد مي بفتاة واجهت مقاتلين انتشرت قصتها بشكلٍ واسعٍ خلال اجتياح المدينة، وذلك لأن المقاتلون كانوا ينوون إعدام عائلتها بأكملها لكنها نجحت في إيقاظ الحس الإنساني في قلوبهم، ما جعلهم يتراجعون عن تنفيذ الإعدام. منذ ذلك الحين تحضّ مي الفتيات على عدم الاستسلام بسرعة أو إظهار ضعفهن، قائلة: يمكنهن محاولة التأثير في الجانب الإنساني للخاطف بإيقاظ النخوة أو التذكير بالشرف والكرامة أو استدعاء البُعد الديني وبتذكيره أن ما يفعله لا يمتّ لأخلاق الإسلام ولا لوصايا الرسول بصلة، وأننا جميعًا سوريون.
لكن في الوقت نفسه لا تخفي مي شكوكها في جدوى هذه المحاولات مبينه أنه: إن لم تُجدِ كل هذه السبل، فلا بد أن تتحلى الفتاة بالشجاعة لمقاومة المعتدي، حتى لو كان الثمن حياتها. أما أنا، فأشعر أنني في تلك اللحظة سأكون شديدة الشراسة ولن أسمح لأحد بأن يلمسني، وإذا أُغلقت كلّ الطرق ولم يبقَ مخرج، فخياري الأخير سيكون أن أنهي حياتي بيدي.
"أصبح الخروج من المنزل مهمّة شاقة"
بات اختطاف النساء في مناطق سورية عدّة ظاهرة تُلقي بظلالها الثقيلة على الفتيات في مختلف المدن وتضعهنّ أمام مخاوف مُبرَّرة؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على القصص الفردية بل تحوّل إلى هاجس يومي يرافق النساء في حياتهن ويؤثر بشكل مباشر على حريتهن في التنقل وذهابهن إلى مدارسهن وجامعاتهن وأماكن عملهن.
لا يقتصر هذا الخوف على الضحايا المحتملات وحدهن، بل يمتد ليشمل عائلات كاملة تعيش في قلقٍ دائمٍ من فقدان بناتهن أو قريباتهن. وفي ظل غياب ضمانات الحماية، فضّلت كثير من الفتيات البقاء في المنزل أو تقليص نشاطهنّ اليومي، وهو ما ضاعف عزلتهن وحدَّ من مشاركتهن في الحياة العامة.
بعضُ الشابات اخترن تسجيل مقاطع فيديو كتكتيك دفاعي، يُعلنّ فيها أنهن لا يفكّرن بالهرب وأن علاقتهن بعائلاتهن مستقرة وأن أي اختفاء محتمل لن يكون بإرادتهن. في السياق نفسه، انتشرت دعوات لتفعيل خاصية تحديد الموقع على هواتف الفتيات وربطها بجهة موثوقة لتتمكّن العائلات من معرفة الموقع الأخير لبناتهن في حال فُقد أثرهن، وهو الأمر الذي يعكس شعورًا عميقًا ومزمنًا بالتهديد وانعدام الأمان.
منذ شباط/ فبراير حتى تموز/يوليو 2025، وثّقت منظمة العفو الدولية اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علويات، بينهن ثماني حالات مؤكّدة وقعت في وضح النهار، فيما تقاعست السلطات الأمنية عن التحقيق في معظمها. في المقابل، أنكرت لجنة تقصي الحقائق في عمليات القتل التي شكّلها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع تلقّيها أي تقارير عن اختطاف نساء أو فتيات.
ومن جانبها وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أحداث الساحل بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2025 انتهاكات خطيرة ضد نساء علويات في حماة وطرطوس واللاذقية، شملت تهديدات وخطفًا واغتصابًا متكرّرًا وزيجات قسرية. وأورد تقرير اللجنة شهادات عن استخدام لغة مهينة واعتبار النساء "غنائم حرب"، مع تهديدات بقتل الأطفال وتنفيذ إعدامات بحق الأقارب الذكور. وقد وثّقت اللجنة خطف ستّ نساء على الأقل مازال مصير اثنتين منهن مجهولًا، فيما أُفرج عن الأخريات. وأشار التقرير نفسه إلى حالات ابتزاز بغرض المال واغتصاب تحت الإكراه رافقته إهانات دينية وضرب مبرح أبرزها واقعة تعرّض امرأة لانتهاكات استمرّت لأيّام قبل أن تتمكن من الفرار.
بينما تتحوّل الحكايات عن النساء المختطفات إلى أخبار متداولة في الشارع ووسائل التواصل، فإنها تترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الفتيات اللواتي يتلقّين هذه الأخبار فيبدأنَ بتخيّل أسوأ السيناريوهات ويدخلنَ في حالةً من القلق المضني. لذا يمكن الجزم بأن الاختطاف لم يعد مجرد جريمة فردية، بل تحوّل إلى أداة ترهيب تضرب المجتمع بأسره وتدمّر حياة النساء المختطفات وغير المختطفات وتحدّ من قدرتهن على العيش بأمان وممارسة أبسط حقوقهن في التعليم والعمل والتنقل.
في هذا السياق، تقول سارة (اسم مستعار) وهي شابة تعيش في العاصمة دمشق: منذ سقوط النظام، بدأ شعور غير مريح يتسلل إلينا كنساء تدريجيًا، حيث أصبح الخروج من المنزل مهمة شاقة، ليس فقط في الليل وإنما في وضح النهار.
يثير تكرار حوادث الخطف وأخبارها لدى سارة نوبات هلع ليلية، وكل هذا على حد قولها بسبب: استسهال القتل وغياب القانون وتصاعد موجة تحقير النساء والاعتداء عليهن واستباحة أجسادهن.
في أحد الأيام ورغم ارتدائها سترة طويلة - وهو تغيير في اللباس اعتمدته الكثير من السوريات تماشيًا مع الاتجاه المتشدّد وتفاديًا للتعليقات والأذى - وبينما همّت بإخراج مفتاح المنزل بعد عودتها من النادي الرياضي، ترجّل من إحدى السيارات المتوقفة جانبًا شابٌ عشرينيٌّ محاولًا التحرّش بها، ورغم قدرتها على استجماع قواها شعرت سارة بالانهيار. وتروي عن تلك الحادثة: التفت نحوي ورمقني بنظرة مخيفة كانت كفيلة بجعلي أتراجع بسرعة عن إخراج المفاتيح كي لا يعرف منزلي. ظلّت متجمّدة في مكانها، وبعد مغادرته لاحظت شعار تنظيم داعش على السيارة المظلّلة.
تتابع سارة: كانت هذه الحادثة كفيلةً باستحضار عشرات السيناريوهات الكارثية في رأسي وحرماني من النوم لأيام. أحاول ألا أتذكرها حتى لا تباغتني نوبات الهلع مجددًا، ولا أعرف الذنب الذي ارتكبتُه سوى أنني وُلدتُ امرأةً في هذه البلاد.
مختفيات حتى بعد العودة
بدأت الصحفية هند (اسم مستعار) العمل على ملف المختطفات مطلع نيسان/أبريل الماضي، وتؤكّد أن الوضع الميداني اليوم يزداد سوءًا. تشرح هند: حالات الخطف تطال طفلات لم يتجاوزن الخامسة عشرة، كما تستهدف سيدات متزوجات في أواخر الثلاثينات. قبل يومين فقط كنت في اللاذقية حيث يخيّم خوفٌ واضحٌ على العائلات بسبب استمرار عمليات الخطف.
من خلال الشهادات المتطابقة والتواصل مع عدد من السيدات والفتيات في الساحل، تأكّدت هند من أنهن مايزلن يعشن في رعبٍ دائم ولاحظت أن حتى العائدات إلى منازلهن يخترن التواري عن الأنظار، وتشرح: العودة تصبح أقسى، فبعضهن ظهرن في فيديوهات قدّمن فيها روايات مختلفة لا يمكن وصفها إلا بأنها اعترافات قسرية بعيدة كل البعد عن حقيقة ما جرى معهن. لا أنسى ما قاله أحد الأزواج حين تابعتُ معه قضية زوجته التي عادت، إذ قال: "يا ريتنا نموت".
بحسب هند، تبث عمليات الخطف واختفاء النساء القسري رعبًا مستمرًا ينعكس على عملهن ودراستهن، وحتى على أبسط تفاصيل حياتهن اليومية مثل الخروج من المنزل أو العودة إليه. وتضيف: كثيرات أصبحن يفرضن على أنفسهن قيودًا صارمة أو باتت تُفرض عليهنّ، فلا يغادرن إلا في ساعات محدّدة وبصحبة أحد أفراد العائلة. لكن على الرغم من كل هذه الاحتياطات، فإن معظم حالات الخطف التي تابعتُها وقعت في وضح النهار وفي أماكن عامة يُفترض أن تكون آمنة. هذا الواقع خلق بيئة من التوتر والقلق الدائم، حيث تشعر النساء بأنهن مستهدفات في كل الأوقات وأن حياتهن قد تنقلب خلال لحظة واحدة.
في ظل هذا الواقع يصبح رفض الفتيات والسيدات اللواتي تواصلن معهن الإفصاح عن أسمائهن الحقيقية أمرًا مفهومًا، كذلك الأمر بالنسبة إلى رغبة الصحفية هند في عدم ذكر اسمها. وفي هذا السياق تقول: إنني مقتنعة بوجود دور للأمن العام في عمليات الخطف، خاصة في طرطوس واللاذقية، فقد وصلني تسجيلٌ صوتيٌّ لأحد عناصر الأمن وهو يقنع أمَّ فتاةٍ مخطوفةٍ بالمساومة عبر تبنّي سيناريو مفبرك لتبرير عودة ابنتها، طالبً منها أن تصوّر مقطع فيديو تقول فيه إن ابنتها هربت مع عشيقها وأنها تبارك زواجهما. لم أتمكّن من نشر هذه القصة بسبب خطورة الوضع الأمني والتهديدات التي تتعرض لها الأم وابنتها، بالإضافة إلى خوفي على عائلتي وعلى حياتي، خاصة أنني اخترت العودة للعمل من داخل سوريا. وتعتبر هند أن إخفاء اسمها لا يهدف فقط إلى حمايتها بل هو نابع من إحساسها بالمسؤولية ورغبتها في متابعة هذا الملف وغيره من الملفات الشائكة في المنطقة.
إنّ خطف النساء وإخفائهن قسرًا لا يعني تغييبهنّ عن حياتهن وأسرهنّ وحسب، إنما يعني أيضًا اغتيال الأمان وتدمير عائلاتهن وترك وصمة رعب تطارد كل فتاة وتدفعها إلى الخضوع لقيود قاسية على حياتها وحريتها في التنقل. إنها حياةٌ كاملةٌ تُسلب وذاكرة جماعية تُشوَّه وصمتٌ ثقيل يضاعف الخسارة.
إضافة تعليق جديد